الاثنين، 11 أبريل 2016

استنتاجات حول مجزوءة الأخلاق

استنتاجات حول مجزوءة الأخلاق

استنتاجات حول مجزوءة الأخلاق

دروس الفلسفة - استنتاجات حول مجزوءة الأخلاق - الثانية باكالوريا مسلك الآداب والعلوم الإنسانية


إن الأخلاق هي مجموعة من القيم الثقافية والاجتماعية، تمثل مثلا عليا يسعى نحوها الإنسان من جهة، كما تسعى إلى تنظيم علاقة الفرد بالآخرين من جهة ثانية. وقد تتخذ شكل واجب يتميز بالإكراه، كما قد تتخذ شكل التزام حر يتبناه الفرد بطواعية. وغايتها هو تحقيق السعادة لمعتنقيها، سواء كان فردا أو جماعة
تتجلى الأخلاق في بعدها المطلق
على مستوى الواجب: في تلك الإلزامات والإكراهات العقلية التي تحدد الفعل الإنساني وتجعله يحترم القانون الأخلاقي من أجل الواجب ذاته، وذلك بغض النظر عن الأهواء الذاتية والمصالح الفردية
على مستوى الحرية: في اعتبار الفعل الإنساني فعلا، إما حرا بشكل مطلق، أو خاضعا لحتميات مطلقة
على مستوى السعادة: في الطابع العقلي التأملي للسعادة، واعتبارها غاية قصوى لكل إنسان
تتمثل الأخلاق في بعدها النسبي
على مستوى الواجب: في اختلاف الواجبات حسب المجتمعات، وحسب قدرات الأفراد
على مستوى الحرية: في اختلاف قوى وقدرات الجسد من شخص لآخر، وأيضا في اختلاف الأنظمة السياسية والقوانين المحددة للحرية
على مستوى السعادة: في كون مفهوم السعادة يخضع لتمثلات الناس حسب ظروفهم الاجتماعية والتاريخية

دروس الفلسفة - مفهوم السعاد

دروس الفلسفة - مفهوم السعادة

مفهوم السعادة

دروس الفلسفة - مفهوم السعادة - الثانية باكالوريا مسلك الآداب والعلوم الإنسانية



الطرح الإشكالي
إن السعادة هي شعور الفرد بإحساس الفرح، والارتياح، واللذة… وهذا ما يجعلها غاية للإنسان يسعى إليها سواء على المستوى الحسي- الغريزي، أو على مستوى الفكر النظري، أو على مستوى السلوك الأخلاقي. وهكذا فللسعادة قيمة حسية، وقيمة فلسفية تأملية، وقيمة أخلاقية تثير عدة قضايا فلسفية متمثلة في تعدد التمثلات التي تنسج حولها، وتنوع الموضوعات التي تحققها. إضافة إلى تعدد الدوافع التي تدفعنا إلى السعي ورائها. وأخيرا ارتباطها بالواجب الذي يحقق السعادة عندما يكون اتجاه الذات واتجاه الغير كذلك. إنها قضايا يمكن صياغتها من خلال هذه الأسئلة
ما هي التمثلات التي تم بناؤها حول السعادة؟
لماذا نسعى نحو السعادة؟
ما علاقة السعادة بالواجب؟
أولا: تمثلات السعادة
أ- السعادة إشباع للفكر
إذا كان الغالب عند الناس هو أن أقوى اللذّات، وأكمل السعادات لذّة المطعم والشهوة وسائر اللذّات البدنية، فإن هذا القول يزول عند فخر الدين الرازي، ويدل على ذلك عدة وجوه وهي
كل شيء يكون سببا لحصول السعادة والكمال، يكون الإنسان أكثر إقبالا عليه. ونحن نعلم أن الانشغال بقضاء الشهوة يعد من الدناءة والنّهَم
كل شيء يكون في نفسه كمالا وسعادة، وجب أن لا يُستحيى منه، بل أن يُتبجّح لإظهاره. ونحن نعلم أن لا أحد من العقلاء يفتخر بكثرة الأكل والشرب
لو كانت السعادة متعلقة بقضاء الشهوة، لكان الحيوان الذي هو أقوى في هذا الباب، أكثر سعادة وكمالا من الإنسان
إن سعادة الإنسان- حسب الرازي- وكماله وفضيلته لا تظهر إلا بالعلوم والمعارف والأخلاق الفاضلة، لا بالأكل والشرب
ب- السعادة غاية في ذاتها
إن الأفعال صنفان فعل يطلب لذاته، وفعل يطلب لغيره، والسعادة ليست ملكة- في نظر أرسطو- وإنما هي فعل يطلب لذاته. هناك بعض أصناف اللهو تطلب لذاتها، لكن ينجم عنها ضرر لا منفعة، لما قد يؤدي من التهاون بأمر الجسد أو الثروة، وهي مع ذلك مما يتهافت عليه الكثير من الناس ممن يندرجون في عداد السعداء. والحق أنه من الجهل أن يقال إن اللهو هو غاية الحياة. وأننا نكد طوال العمر لكي يتاح لنا اللهو. إن قول مثل هذا قول صبياني
إن كل ما يمكن تصوره يطلب من أجل ما عداه، إلا السعادة إذ هي غاية بحد ذاتها- حسب أرسطو-. والحياة السعيدة هي التي يحياها المرء وفق الفضيلة، وهي حياة جد واجتهاد، لا حياة لهو
ثانيا: السعي وراء السعادة
أ- السعي وراء السعادة شقاء
قي إطار بناء أطروحته حول سعي الإنسان وراء تحقيق السعادة، وجدوى هذا السعي، أكد ج. ج.روسو، أن على الإنسان، ليبلغ غايته، أن يحقق معادلة متكافئة بين رغباته وقدراته. إلا أنها معادلة لم تكن ممكنة إلا في حالة الطبيعة، حيث كانت الرغبات بسيطة، ومقدور عليها. أما حالة التمدن، فإن الرغبات تطورت وتجاوزت قدراته. وعليه فإن السعي وراء السعادة إنما هو في الحقيقة سعي وراء الشقاء
وهكذا فإن انتقال الإنسان من حالة الطبيعة البسيطة في حاجاتها، إلى حياة الجماعة وما صاحب ذلك من ظهور كمالات متعددة ولا متناهية، أدى- في نظر روسو- إلى فقدانه لسعادته، وتحول البحث عنها إلى شقاء مستمر
ب- الجمال يحقق السعادة
إن الإنسان لم يبدع فقط أسباب الشقاء- في نظر ديفيد هيوم-، وإنما أبدع أيضا إمكانات الاقتراب من تحقيق سعادته، بإمكانه أن يحقق ذلك اعتمادا على إبداعاته الفنية (الموسيقى، الرسم، الشعر…). فإذا كان يملك ذوقا رهيفا، وعمل على تهذيب هذا الذوق والسمو به انطلاقا مما تقدمه الأعمال الفنية من جمال ورقة، أمكنه التخفيف من التوتر والألم والاقتراب من السعادة
ثالثا: السعادة والواجب
أ- السعادة واجب اتجاه الغير
ليس من الصعب تحقيق سعادة الآخرين، في نظر برترند راسل، إذ يكفي محاولة التقرب منهم بمودة تلقائية للتعرف على الغير، وفهم تفرده وخصوصية، وهذا ما يشكل مصدر إسعاد الغير. وبالتالي تحقيق سعادة الذات. وهكذا ننتقل مع راسل من تصورات تشرط السعادة بتحقيق الرغبات أو إقصائها، إلى تصور يربطها بالممارسة والفعل
ب- السعادة واجب اتجاه الذات
تكون السعادة ممكنة- في نظر ألان- عندما تتوفر لدى الإنسان إرادة طلبها، وتصبح واجبا تجاه الذات والآخر. ولا يكون باستطاعته إسعاد غيره، إلا إذا منح السعادة لذاته فمن السهل على المرء أن يكون مستاء، كما من السهل عليه أن يرفض ما تقدمه الحياة من عطايا. وبالمقابل من السهل على الإنسان أن يصنع من أشياء قليلة وبسيطة، مظاهر السعادة التي يتلمسها في علاقته بالآخرين. إن رفض السعادة، حسب ألان، هو السبب الأكبر فيما تعرفه الإنسانية من مآس وحروب، وهكذا تصبح السعادة قيمة أخلاقية توجه تصرفات الإنسان في علاقته بذاته وبالآخر
استنتاجات عامة
إن السعادة شعور داخلي بالسرور والرضا على النفس… إلا أن مصادر هذا الشعور تتحدد وتتنوع حسب الأفراد والجماعات. فهناك من يحقق السعادة من خلال جمع الأموال وإشباع الغرائز. وهناك من يحققها بإشباع العقل بواسطة العلم وتحصيل المعارف. كما نرى من يجد سعادته في إشباع الجوانب الروحية على مستوى المشاعر والأحاسيس الباطنية
إن للسعادة مظهرين، مظهر نظري تأملي، وآخر عملي أخلاقي. بتمثل المظهر الأول في تحقيق الرغبات، وإشباع المشاعر والأحاسيس. أما المظهر الثاني فيرتبط بالممارسة والفعل. التي تتحدد بعلاقة الذات سواء بذاتها أو بالآخر أو علاقة الآخر بالذات

دروس الفلسفة - مفهوم الحرية

دروس الفلسفة - مفهوم الحرية

مفهوم الحرية

دروس الفلسفة - مفهوم الحرية - الثانية باكالوريا مسلك الآداب والعلوم الإنسانية



الطرح الإشكالي
يرتبط مفهوم الحرية بالتخلص من مختلف الإكراهات، سواء كانت من طبيعة بيولوجية أو نفسية أو اجتماعية… ونظرا لهذه الجوانب المتباينة التي يحيل عليها مفهوم الحرية، فإن تحديده يطرح الكثير من الصعوبات، فإذا كانت الحرية خصما عنيدا للحتمية، فإن ذلك سيلقي بها في أحضان العفوية والصدفة. أما إذا كانت خاضعة لقانون ما، فهذا سيطرح مسألة الإرادة موضع تساؤل. فالإرادة تستدعي الحديث عن المسؤولية، إذ بدون مسؤولية لا يمكن التحكم في حرية الإرادة. وهذا ما يمكن أن نعبر عنه من خلال الإشكالات الفلسفية التالية:
ما طبيعة العلاقة بين الحرية والحتميةّ؟
ما هي تجليات حرية الإرادة؟
كيف يؤطر القانون الحرية؟
أولا: الحرية والحتمية
أ– التوازن بين الحرية والحتمية
إن الحرية – في نظر أبو الوليد بن رشد – لا يمكن فصلها عن الحتمية. فالإنسان له قدرة وإرادة يستطيع بهما فعل الخير والشر وباقي الأضداد الأخرى، ولكنه في نفس الوقت محكوم بضرورات مثل قوانين الطبيعة، وقوى الجسد المخلوقان من طرف الله. وهكذا لا يمكن تصور الفعل الإنساني – حسبابن رشد – حرا بشكل مطلق، ولا مقيدا بشكل مطلق، إنه فعل يتركب من حرية الاختيار والقدرة والإرادة، إلا أنه محدود بقدرات البدن ومشروط بقوانين الطبيعة التي خلقها الله
ب– الحرية النسبية
إذا كان التفكير الموضوعي، الذي ينطلق من الوجود الموضوعي للكائن، يذهب إلى أن أفعالنا ينبغي أن تأتي بالضرورة من الخارج. وبالتالي فلا وجود للحرية إطلاقا
وإذا كان التفكير التأملي عند دراسته للوعي، يقر بأن أفعالنا إنما تنبع من الداخل، وهكذا فحريتنا حرية مطلقة
فإن موريس ميرلوبونتي، يعتبر أن الحرية عند الإنسان هي حرية نسبية، لأن التعرف على نظام الظواهر يبين لنا أننا مندمجون مع العالم والغير اندماجا وثيقا لا ينفصل. وبناء عليه، فإن الوضعية التي نكون فيها، تلغي الحرية المطلقة عند بداية الفعل وعند نهايته. وفي هذا الوضع يستطيع الإنسان أن يدخل تعديلات إرادية واعية على وضعه المعطى
ثانيا: حرية الإرادة
أ- الأخلاق والإرادة الحرة
لقد اعتبر إيمانويل كانط مجال الأخلاق، هو مجال ممارسة الإرادة الحرة لفعلنا. فالإنسان بوصفه كائنا عاقلا يستطيع، اعتمادا على إرادته الحرة، وضع القوانين العقلية للفعل الإنساني، والخضوع لهذه القواعد. فكل كائن عاقل هو كائن يتمتع بحرية الإرادة والقدرة على القيام بالفعل الأخلاقي، ولا معنى للفعل الأخلاقي في غياب الحرية- حسب كانط- هكذا تشتق الأخلاق من حرية الإرادة
ب- إرادة الحياة
عندما وجد الحيوان- الإنسان، كإرادة حياة في هذا الكون، لم يكن لوجوده أي هدف أو غاية حسبفريدريك نيتشه، لذلك أبدع المثل الزُّهْدي باعتباره أخلاقا كاملة، لكي يعطي لحياته معنى. وفي رغبته للوصول إلى الكمال الأخلاقي، عمل على نفي الحياة ذاتها من خلال إقصاء كل ما هو مادي، غريزي- حسي في الإنسان لذلك دعا نتشه إلى مقاومة المثل الزُّهْدي بإرادة حرة، تطلب الحياة وتدافع عما هو إنساني في التجربة الإنسانية، أي إرادة الحياة
ثالثا: الحرية والقانون
أ- الدستور كضامن للحرية
إن الحرية في الأنظمة الديمقراطية- حسب مونتسكيو- هي الحق في القيام بكل ما تسمح به القوانين. فإذا كان كل مواطن يستطيع القيام بفعل تمنعه القوانين، فلن تكون له في المستقبل حرية ما دام الآخرون لهم أيضا نفس القدرة على فعل ما يشاءون. إن الحرية السياسية لا توجد إلا في الحكومات المعتدلة، وبما أن كل سلطة تميل إلى التعسف، ينبغي أن تنظم الأشياء بحيث تجد السلطة نفسها محدودة بسلطة أخرى. ويمكن في هذا السياق، أن يصاغ الدستور بحيث لا يلزم أحدا بفعل مناف للقانون، وبأن يسمح لكل مواطن بحق عدم القيام بفعل يخوله له القانون
ب- السياسة كمجال لممارسة الحرية
إن المجال الذي عرفت فيه الحرية باعتبارها ممارسة فعلية في الحياة اليومية، هو مجال السياسة، حسب حنا أرندت. من المؤكد أن الحرية بمكن أن تسكن أفئدة الناس، باعتبارها رغبة، أو إرادة، أو أمنية، أو طموح… غير أن قلوب الناس مكان غامض، لا يمكن معرفة ما يجري في ظلمته الداخلية. إننا لا ندرك الحرية أو نقيضها إلا عندما ندخل في علاقة مع غيرنا، باعتبارها وضعا للإنسان الحر الذي يسمح له فيه بالتنقل وبالخروج من منزله وبالتجول في العالم والالتقاء بغيره، فلا يكون للحرية تحقق فعلي في العالم الذي يسمح بممارسة الفعل والكلام، مثل المجتمعات الاستبدادية التي تعتقل رعاياها داخل بيوتهم الضيقة، وتمنع بذلك ميلاد حياة عمومية، فبدون حياة عمومية مضمونة سياسيا، لا يمكن للحرية أن تتجلى، إذ ينقصها الشرط اللازم لظهورها وهو المجال العام
استنتاجات عامة
إن للحرية عند الإنسان تجليات كثيرة، تتمثل في عدم خضوعه لغرائزه، بل التحكم فيها من خلال تأجيلها، عكس الحيوان الذي يخضع لها خضوعا ضروريا. كما تتمثل في كونه يمكن أن يقول للشيء  » نعم  » أو  » لا  » حسب اختياره، إضافة إلى قدرته على القيام بالفعل ونقيضه حسب رغبته وحرية إرادته. لكن هذه الحرية تبقى محدودة بحدود حريات الآخرين، وبالقوانين المادية (فيزيائية، بيولوجية…)، والظروف التاريخية (الاجتماعية، الاقتصادية، السياسية…)، التي يتموضع ضمنها الفرد
أن الحرية الإنسانية، ترتبط بالمسؤولية، ففي غياب هذه الأخيرة تتحول إلى فوضى، لذلك عمل المجتمع على تقنينها بقانون يحدد الحقوق (الحريات) والواجبات
إذا كان الاستبداد نظام سياسي لا توجد فيه إلا الواجبات، وتغيب فيه الحقوق والحريات، وإذا كانت الفوضى حالة تسود فيها الحريات المطلقة في غياب الواجبات، فإن الديمقراطية نظام سياسي معتدل يوجد بين الاستبداد والفوضى حيث ينبني على التوازن بين الحقوق والواجبات بموجب قانون عادل

دروس الفلسفة - مفهوم الواجب

دروس الفلسفة - مفهوم الواجب

مفهوم الواجب

دروس الفلسفة - مفهوم الواجب - الثانية باكالوريا مسلك الآداب والعلوم الإنسانية

الطرح الإشكالي
في كثير من الأحيان يجد الفرد نفسه ملزما بالقيام بسلوكات معينة رغم كونها تتعارض مع إحساساته ورغباته الشخصية. وغالبا ما تدفعه بعض المواقف الاجتماعية للتخلي عن حقوقه الذاتية لصالح الواجب الأخلاقي الذي يوجد في كل القيم الأخلاقية، ويضفي عليها طابع الضرورة والإلزام، إلا أن هذا الواجب يطرح قضايا فلسفية مادام يبدو كإكراه مفروض على إرادتنا في بعض مظاهره، وكإرادة حرة تعبر عن ذاتها بتلقائية في مظاهر أخرى. إضافة إلى تعدد أسس الوعي الأخلاقي بين الأساس الذاتي متمثلا في الأحاسيس والمشاعر الفطرية، والأساس الموضوعي الذي يتجلى في المصدر الاجتماعي. وهذا ما يدفعنا إلى طرح الأسئلة التالية
ما هي مظاهر وتجليات الواجب؟
ما مصدر الوعي الأخلاقي؟
ما علاقة الواجب بالمجتمع؟
أولا: الواجب والإكراه
أ– الواجب كأمر أخلاقي
لا تخضع الإرادة دوما لأوامر العقل – في نظر إيمانويل كانط – لذلك يمارس العقل عليها إكراها. وهذا الإكراه هو الأمر الأخلاقي، وهو نوعان
الأوامر الأخلاقية الشرطية: التي تعبر عن الضرورات العملية لبعض الأفعال التي لا ينظر إليها في ذاتها بل من خلال نتائجها. وهذه الأفعال عبارة عن وسائل لتحقيق بعض الأهداف
الأوامر الأخلاقية القطعية: وهي الأوامر التي ينظر لها من حيث هي غاية في ذاتها، وهي أوامر لها بداهة مباشرة، لدرجة أن الإرادة تعرف أن عليها أن تخضع لهذه الأوامر. وهذه الأوامر ذات صبغة كونية وشـمولية
ب– الواجب كشعور بقدرة
يرتد الواجب – في نظر جون ماري غويو – إلى الشعور بقدرة داخلية معينة تمتاز في طبيعتها على القدرات الأخرى، فأن يشعر المرء شعورا داخليا بما هو قادر على فعله من أمر عظيم، فهذا شعور أول بما يجب عليه فعله. فالواجب إنما هو فيض من الحياة يريد أن يتدفق. لقد ظنوه إلى الآن شعورا بضرورة أو ضغط، وما هو في حقيقته إلا الشعور بقدرة. إن كل قوة متجمعة تحدث نوعا من الضغط على الحواجز الموضوعية أمامها. وكل قدرة تنتج نوعا من الواجب متناسبا معها. فمن المستحيل على امرئ أن يصل إلى غايته، حين لا تكون له قدرة على تجاوز هذه الغاية
إن الواجب الأخلاقي – حسب النظرة الطبيعية – يرتد إلى القانون الطبيعي الشامل: إن الحياة لا تستطيع أن تبقى بدون أن تنتشر
ثانيا: الوعي الأخلاقي
أ– فطرية الوعي الأخلاقي
يوجد في أعماق النفوس البشرية مبدأ فطري للعدالة والفضيلة – حسب ج. ج. روسو – والذي تقوم عليه أحكامنا التي نصدرها على أفعالنا وأفعال الغير، فنصفها بالخيرة أو الشريرة. وهذا المبدأ يسمى: الوعي. والذي يتكون من أحاسيس فطرية وهي: حب الذات، الخوف من الألم والموت، والرغبة في العيش السعيد… ولكن مادام الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، فقد ظهرت أحاسيس فطرية أخرى في علاقته بالآخرين. هكذا يولد دافع الوعي من النسق الأخلاقي، فهناك فرق، في نظر روسو، بين معرفة الخير ومحبته: فالإنسان ليست لديه معرفة فطرية، لكنه بمجرد ما يدرك الخير بعقله، حتى يحمله وعيه على حب هذا الخير، وهذا الإحساس هو وحده الفطري
ب– الوعي الأخلاقي وقانون الإلزام
لكي يكسب المَدين مصداقية لوعده بالتسديد، ويطبع في ضميره ضرورة التسديد باعتبار ذلك واجبا والتزاما، فإنه – حسب فريديريك نيتشه – يلتزم للدّائن بموجب عقد، في حالة عدم تسديد الدين، أن يعوضه بشيء آخر مما « يملكه »، مما لا يزال تحت سيطرته، كجسده مثلا أو زوجته، أو حريته بل وحياته. وبفضل « العقاب الموجه » للمَدين ينال الدائن كمقابل ذلك الإحساس المشرف الناتج عن تمكنه من احتقار وإهانة مخلوق ما باعتباره شيئا أدنى منه
في نطاق قانون الإلزام هذا يكمن أصل التصورات الأخلاقية، في نظر نيتشه، مثل « الخطأ » و »الضمير » و »الواجب » وقدسية « الواجب ». ومثل كل شيء عظيم على هذه الأرض فقد روتها في بدايتها دماء كثيرة رَدْحا طويلا من الزمن
ثالثا: الواجب والمجتمع
أ– الواجب هو سلطة المجتمع
إن المجتمع، في نظر إميل دوركايم، هو الذي بث فينا، حين عمل على تكويننا خُلُقِيا، تلك المشاعر التي تملي علينا سلوكنا بلهجة آمرة صارمة، أو تثور علينا بمثل هذه القوة عندما تأبى أن نمتثل لأوامرها.فضميرنا الأخلاقي لم ينتج إلا عن المجتمع ولا يعبر إلا عنه، وإذا تكلم ضميرنا، فإنما يردد صوت المجتمع فينا، ولا شك في أن اللهجة التي يتكلم بها خير دليل على السلطة الهائلة التي يتمتع بها الضمير الأخلاقي
ب– الواجب كانفتاح على الإنسانية
إن المجتمع هو الذي يرسم للفرد مناهج حياته اليومية، حسب هنري برغسون، فيخضع لأوامره، وينقاد إلى واجبات موافقة لقوانينه. ولا نكاد نشعر بما نفعل، ولا نبذل في ذلك شيئا من الجهد. فالمجتمع قد رسم لنا الطريق، فما يسعنا إلا أن نتبعه ونسير فيه. حتى يمكن القول بأن الخضوع للواجب يكون في معظم الحالات بأن يرخي الإنسان زمام نفسه، ويستسلم لها. إن المجتمع بهذا المعنى سيؤدي إلى أخلاق منغلقة. لدا دعا برغسون إلى تبني الأخلاق المنفتحة من خلال الارتباط بالمجتمع المفتوح الذي هو الإنسانية بكاملها، أي واجبات الإنسان نحو الإنسان، كاحترام حياة الآخرين، واحترام حقهم في التملك
استنتاجات عامة
ما يميز الواجب الأخلاقي عن الواجبات القانونية هو أن هذه الأخيرة مفروضة على الفرد من خارج ذاته، وتتميز بالإكراه، في حين أن الواجب الأخلاقي نابع من إرادة الفرد واختياره الحر
إن القيم الأخلاقية، وإن بدت مُثلا عُليا وسامية يسعى إليها الإنسان ويطلبها، فإن التاريخ يحدثنا أن عملية نشرها وتنزيلها على أرض الواقع نتج عنها الكثير من الجرائم والفضاعات الإنسانية كالحروب والإعدامات والعقوبات الوحشية
إن الواجب الأخلاقي وإن بدا نابعا من الداخل، فإن مصدره هو المجتمع، حيث تتسرب قيمه الأخلاقية إلى داخل الشخصية الإنسانية من خلال آلية التنشئة الاجتماعية (التربية)، وهي ما يسمى عند سيغموند فرويد بالأنا الأعلى وهو أحد مكونات الجهاز النفسي للشخصية


تقديم عام للمجزوءة مجزوءة الأخلاق

تقديم عام للمجزوءة مجزوءة الأخلاق

تقديم عام للمجزوءة مجزوءة الأخلاق

دروس الفلسفة - تقديم عام للمجزوءة مجزوءة الأخلاق - الثانية باكالوريا مسلك الآداب والعلوم الإنسانية


إن الإنسان مشروط بمُثُل أخلاقية سامية توجه سلوكاته وتنظم علاقاته بالآخرين. ولعل الأخلاق بما تتضمنه من قيم إيجابية ومثل عليا، شكلت كابحا للنوازع الشريرة وللعدوانية لدى الإنسان كما شكلت حافزا غيريا يبين أن بإمكان الإنسان أن يفعل الخير ويتجنب الشر والإذاية
لقد عمد المجتمع للحفاظ على وجوده، إلى تأكيد بعض القيم الأخلاقية وترسيخها، وتحديد الواجبات التي على كل فرد القيام بها، سواء نحو ذاته أو نحو مجتمعه، وهي واجبات قد يخضع لها  تلقائيا، مثل العادات والتقاليد. كما يشعر اتجاهها، وهو يعيش تجربة الحياة، بضغطها وإكراهاتها، فيتجه نحو بناء واجبات إضافية، يطبعها بطابعه الذاتي والعقلي فيلتزم بها التزاما واعيا وإراديا حرا. وتعني الحرية في بعدها الأخلاقي عدم الخضوع لإكراهات الغريزة والنزوات. إن الحرية ليست مجرد قيمة، بل هي حق يرتبط بالفعل الإنساني
إن كان للفعل الإنساني من غاية قصوى، فقد تكون السعادة هي الهدف الأخير لهذا الفعل، وتَمَثُّلُ السعادة يفضي إلى البحث عن وسيلة لتحقيقها، فطموح الإنسان لا يتوقف عند حدود الرغبة بقدر ما يسعى إلى إشباعها، وهو ما يحقق السعادة لديه
بناء على كل هذا، تطرح مسألة الأخلاق مجموعة من التساؤلات أهمها
ما معنى الواجب؟ وما مصدره؟
كيف تسمح القيم الأخلاقية بتحرر الإنسان وهي ذاتها تقنين لتصرفاته؟
كيف تتحقق السعادة لدى الإنسان؟

دروس الفلسفة - مفهومي الحق والعدال

دروس الفلسفة - مفهومي الحق والعدالة

مفهومي الحق والعدالة

دروس الفلسفة - مفهومي الحق والعدالة - الثانية باكالوريا مسلك الآداب والعلوم الإنسانية


الطرح الإشكالي
على أنقاض مفهوم الحق الإلهي الذي ساد بأوربا في القرون الوسطى- وهو حق يستمد مشروعيتها من النصوص الدينية المقدسة- بنى فلاسفة الأنوار مفهوم الحق على أساس بشري، مصدره الإنسان. إلا أنهم اختلفوا حول أساس هذا الحق. فبينما ذهب البعض منهم إلى الأساس الطبيعي الذي يرتكز على القوة الجسمية، ذهب البعض الآخر إلى الأساس الثقافي المبني على التعاقد والاتفاق. إضافة إلى علاقة الحق بالحرية من جهة، وبالعدالة من جهة ثانية. هذه العدالة التي تكون منصفة عندما تلتزم بمبدأ المساواة، لكنها تكون منصفة كذلك حين تراعي التمايزات (اللامساواة) بين الأشخاص. وهذا يستدعي طرح الأسئلة التالية
هل الحق ينبني على أساس طبيعي أم وضعي؟
هل الحق تجسيد للحرية أم للعدل؟
هل العدالة تتحقق عندما تراعي مبدأ المساواة أم اللامساواة؟
أولا: الحق بين الطبيعي والوضعي
أ- الحق الطبيعي
إن الحق الطبيعي – في نظر توماس هوبس – هو أن لكل فرد، في حالة الطبيعة، الحق في كل شيء، بل وحتى حق البعض في أجساد البعض الآخر، فلا يوجد شيء لا يمكن استخدامه ضد الأعداء، مادام يساعد على الحفاظ على الحياة. وهكذا فالحالة الطبيعية هي حالة حرب الكل ضد الكل. مما سيدفع بالإنسان إلى الانتقال لحالة المجتمع المدني للبحث عن السلم والطمأنينة، حيث يسود الحق الوضعي، وهو أن نقبل عندما يقبل الآخرون أيضا التخلي عن حق التصرف في كل شيء، بما يسمح بالسلم والحفاظ على الذات، وأن نكتفي بنفس القدر من الحرية الذي يكتفي به الآخرون
ب- الحق الوضعي
إن انتقال الإنسان من حالة الطبيعة إلى حالة المدنية، قد أحدث في الإنسان تغيرا كبيرا – في نظر ج. ج. روسو – فبعد أن كان يخضع في حالة الطبيعة لغرائزه الجسمانية والفطرية، وينجرف وراء الشهوة، نمت قواه العقلية، في حالة المدنية، واتسعت أفكاره، ونبلت عواطفه، حيث جعلت منه كائنا ذكيا. وهكذا عوض الحق الطبيعي ظهر لديه العقد الاجتماعي الذي يتميز بالحرية المدنية التي تحدها الإرادة العامة، وهي حرية تعطيه الحق في ملكية جميع ما يقتنيه، وهكذا يخضع الإنسان لقانون نابع من تواضع جماعي
فالطاعة للقانون الذي فرضناه على أنفسنا هي « حرية »، في نظر روسو
ثانيا: العدالة باعتبارها حقا
أ- الحق والديمقراطية
إن الغاية التي ترمي إليها الديمقراطية – في نظر باروخ اسبينوزا – هي أن يعيش الناس في وئام وسلام قدر الإمكان في حدود العقل. والقانون المدني هو الذي يضمن حق الفرد في المحافظة على حالته، كما حددتها وضمنتها له مراسيم السلطة العليا (الدولة). إن الحق كعدالة هو استعداد دائم للفرد لأن يعطي كل ذي حق ما يستحقه طبقا للقانون المدني، وتسمى العدالة كذلك بالإنصاف، لأن من واجب القضاة، ألا يفرقوا بين الأشخاص، بل أن ينظروا إليهم على قدم المساواة، ويحافظوا بقدر متساو على حق كل منهم، حسب اسبينوزا
ب- الحق والمساواة
إن الحق – في نظر ألان – هو المساواة. فبمجرد ما يفتقر عقد ما للتساوي، نشكك في صلاحيته، وفي كونه يراعي حقوق كل الأطراف. ففي حالات البيع والشراء مثلا، لن يعتقد أحد أن السعر الذي تم تحديده، بعد المساومة، وباتفاق مشترك بين البائع والمشتري، هو سعر عادل في حالة ما إذا كان البائع مخمورا، والمشتري واعيا، أو إذا كان البائع جاهلا بقيمة سلعة ما يبيعه (كتابا نادرا، أو لوحة رسام مشهور…)، في حين أن المشتري على علم بقيمة تلك السلعة..لأنه لم يكن هناك تساو وتكافؤ بين الطرفين
إن الحق ضد اللامساواة، والقوانين العادلة هي التي يكون الجميع أمامها سواسية، سواء كانوا رجالا أو نساء أو أطفالا، أو مرضى أو جهّالا
ثالثا: العدالة بين الإنصاف والمساواة
أ- العدالة كتجسيد للمساواة
إن العدالة – في نظر أرسطو – تعني المساواة. وهي بذلك تسمى إنصافا، وهكذا نكون أمام نوعين من العدالة
عدالة توزيعية: وتعني توزيع خيرات، وثروات المجتمع على أفراده حسب طاقاتهم وأعمالهم
عدالة تعويضية: وتتمثل في تنظيم المعاملات بين أفراد المجتمع على أساس الأعراف والقوانين. وهدفها هو تصحيح السلوك الخارج عما تحدده القوانين. فهي عدالة تعاقب المجرم، وتعوض أولئك الذين يذهبون ضحايا تطبيق القانون
ب- الإنصاف واللامساواة
إن مطلب المساواة المطلقة – حسب ماكس شيلر – هو مطلب الضعفاء والفاشلين، صادر عن رغبتهم في إنزال العظماء والناجحين إلى مستوى الأشخاص العاديين، أو الذين هم في أسفل درجات السلم. فما من أحد ينشد المساواة، حينما يشعر بأنه يمتلك قوة أو نعمة تتيح له أن يتفوق على الآخرين. أما الذي يخشى الخسارة فهو وحده ينشد العدالة والمساواة العامة
إن مطلب المساواة المطلقة – في نظر شيلر – يصدر بالتأكيد عن شعور بالكراهية والحقد، وبالتالي فإنه مطلب جائر
استنتاجات عامة
إن حالة الطبيعة، ليست فرضية علمية الغاية من ورائها تحديد مراحل تاريخ البشرية. إنها فرضية متخيلة ذات طابع سياسي، سعى من خلالها فلاسفة الأنوار إما إلى تكريس الوضع السياسي القائم في أيامهم، أو تغييره والدعوة إلى التمرد عليه
إن العدالة لا تتنافى وبروز أشكال مختلفة من التفاوتات الفكرية، والاجتماعية، والاقتصادية… بل إن العدالة المنصفة هي التي تراعي اختلافات الناس وتمايز طباعهم، وقدراتهم، واستعداداتهم، ومؤهلاتهم. فالناس يتفاوتون فيما بينهم تفاوتا إيجابيا وخلاقا
إن المساواة ليست دائما تجسيدا للعدالة، إن المساواة قد تتحول إلى ظلم وجور في حق بعض الفئات كالمرأة، والطفل، وذوي الاحتياجات الخاصة… لذا ينبغي تبني مفهوم التمييز الإيجابي

استنتاجات حول مجزوءة السياسة

استنتاجات حول مجزوءة السياسة

استنتاجات حول مجزوءة السياسة

دروس الفلسفة - استنتاجات حول مجزوءة السياسة - الثانية باكالوريا مسلك الآداب والعلوم الإنسانية


إن السياسة هي مجال ممارسة السلطة والسلطة المضادة. السلطة ممثلة في الدولة (السلطة التنفيذية، السلطة التشريعية، والسلطة القضائية). والسلطة المضادة مجسدة في السلطة الرابعة (الصحافة)، وسلطة المجتمع المدني: الجمعيات، المنظمات، النقابات، أحزاب المعارضة
تكون السياسة غير مشروعة
على مستوى الدولة: عندما تمارس التسلط، والاستبداد، والقمع، والشطط في استعمال السلطة
على مستوى العنف: عندما يعتمد على القوة، فهو سلوك مدمر، غريزي وأصلي في الإنسان، غايته الظلم
على مستوى الحق والعدالة: حين تغيب الحريات الفردية والجماعية، ويخضع الأفراد للتمييز على أساس عرقي، أو جنسي، أو ديني… أو عندما تسن قوانين جائرة
تكون السياسة مشروعة
على مستوى الدولة: عندما تتأسس على علاقات تعاقدية، وعلى وعي بالحقوق والواجبات بين إرادات حرة
على مستوى العنف: عندما يكون في إطار القوانين المشروعة غايته الحفاظ على النظام، أو عندما يصدر عن العقل باعتباره خطابا برهانيا متماسكا
على مستوى مفهومي الحق والعدالة: باعتبارهما المفهومان المؤسسان لكل خطاب حول المشروعية، سواء كانت خطابا نظريا أو ممارسة قانونية تطبيقية

دروس الفلسفة - مفهوم العن

دروس الفلسفة - مفهوم العنف

مفهوم العنف

دروس الفلسفة - مفهوم العنف - الثانية باكالوريا مسلك الآداب والعلوم الإنسانية


الطرح الإشكالي
إن كانت مظاهر العنف تبدو لنا واضحة وجلية في جرائم القتل، الحروب، الإبادة العرقية، الإرهاب، العدوان… من خلال الصورة وتقنيات التواصل والإعلام، فما إن يبدأ المرء في التفكير والتأمل في طبيعة السلوكات العنيفة، حتى يكتنف هذا الموضوع التعقد والغموض، من حيث تعدد وتنوع أشكال هذا العنف، من عنف مادي ملموس، إلى عنف آخر رمزي غير ظاهر. إضافة إلى الدور الذي لعبه في التاريخ وتجليات هذا الدور. وأخيرا العلاقة المضطربة التي تربطه بمسألة المشروعية. وهو ما يمكن التعبير عنه من خلال هذه الأسئلة
ما هي أشكال العنف إذن؟
كيف يعمل العنف على رسم مسارات التاريخ الإنساني؟
هل العنف فعل مشروع؟ أم أنه يفتقد لأي مشروعية؟
أولا: أشكال العنف
أ– العنف المادي
إن الحرب كأعلى شكل من أشكال العنف المادي – في نظر كارل فون كلوزفيش – هي مجموعة من المعارك تتكون من عدد لا محدود من الاقتتال الفردي الذي اتسع لكي يشكل الحرب. إن كل واحد، أثناء الصراع، يحاول بواسطة القوة الجسمانية، أن يسقط الآخر ويحطم مقاومته. فالحرب فعل من أفعال القوة، نحاول بواسطته إرغام الخصم على الخضوع لإرادتنا، ولأجل أن تتغلب قوة على قوة، فإنها تستعمل كل ما توفره لها العلوم والصناعات من وسائل
إن القوة الجسمية هي مجرد وسيلة، أما غاية العنف – كما يرى كلوزفيش – فهي إرغام الخصم على الخضوع
ب– العنف الرمزي
يقصد بالعنف الرمزي كل أشكال العنف غير الفيزيائي، في نظر بيير بورديو، أي أشكال العنف القائمة على إلحاق الأذى عبر الكلام أو اللغة أو التربية أو العنف الذهني. وهو درجات، حيث يقوم معظمه على تكييف رد فعل المتلقي ليتقبل العنف اللطيف، بل ويعتبره أمرا عاديا، والمثال الأوضح للعنف الرمزي هو الإيديولوجيا والأفكار المتداولة، فانطلاقا من كوننا نولد في عالم اجتماعي، فإننا نتقبل عددا من البديهيات والمسلمات التي تفرض نفسها علينا بتلقائية وسهولة و لا تكاد تتطلب تلقينا
هكذا يمكن أن يحقق العنف الرمزي – حسب بورديو – نتائج أحسن مما يحقق العنف المادي
ثانيا: العنف في التاريخ
أ– الصراع كمحرك للتاريخ
لم يكن تاريخ أي مجتمع، إلى يومنا هذا، في تصور كارل ماركس، إلا تاريخ الصراع بين الطبقات: الأحرار والعبيد، الإقطاعيون والأقنان… وبعبارة أخرى المضطهِدون والمضطهَدون، الذين كانوا دوما في حالة تعارض ومواجهة دائمة، قامت بينهم حروبا لا تتوقف، معلَنة أحيانا، وخفية أحيانا أخرى، حروبا كانت تنتهي دوما إما بتغيير جذري للمجتمع برمته، أو بتحطيم الطبقتين المتصارعتين معا
إن المجتمع البورجوازي الحديث، لم يقض على الصراع بين الطبقات حسب ماركس، وإنما أحل طبقات جديدة وهي البورجوازية والبروليتاريا، كما أحل ظروفا جديدة للاضطهاد، وأشكالا جديدة من الصراع
ب– العنف الاقتصادي
يلعب العنف دورا بارزا في التاريخ، حسب فريديريك إنجلس، وذلك في ارتباط بالتطور الاقتصادي. فيمكن للعنف السياسي أن يعمل لأجل التطور الاقتصادي فترتفع سرعته. كما يمكن أن يعمل ضد هذا التطور، وفي هذه الحالة فإنه يستسلم تدريجيا للتطور الاقتصادي، مع بعض الاستثناءات، ففي هذه الحالات ينتهي فيها الصراع إلى قلب النظام
إن كل عنف سياسي – في نظر إنجلس – يقوم أصلا على وظيفة اقتصادية ذات طبيعة اجتماعية
ثالثا: العنف والمشروعية
أ– العنف المشروع
يمثل العنف مشكلة للفلسفة، بالنسبة لإريك فايل، أما الفلسفة فهي لا تمثل أي مشكلة للعنف الذي يزيح الفيلسوف عن طريقه كلما وجده يعوق مسيرته الخالية من أي اتجاه. إن العنف ليس له معنى إلا بالنسبة إلى الفلسفة، التي هي رفض للعنف، وإذا كان من السهل أن نجد فلسفة تأمر باستعمال العنف، لأنها تبينت أن عليها أن تحارب العنف. لكن هذا العنف الذي تدعو إليه ليس سوى وسيلة ضرورية لخلق حالة اللاعنف، حسب فايل، وذلك بواسطة العقل وفكرة التماسك
ب– لا مشروعية للعنف
إن السمة الأساسية للعنف – في نظر غاندي – هي أنه يجب أن تكون وراء الفكر والكلام والفعل، نية عنيفة، أي رغبة في إلحاق الأذى والألم بذلك الذي يعتبر خصما، أما اللاعنف، فهو الغياب التام للإرادة السيئة، بل هو إرادة طيبة تجاه كل ما يحيا، إنه حب متكامل. إن اللاعنف ليس تخليا عن كل صراع حقيقي ضد الشر، بل هو مناهض للشر بكفاح وصراع فعال يتجاوز حدود القصاص، إلى معارضة ذهنية وأخلاقية. وهكذا فالعنف – حسب غاندي – لا مشروعية له
استنتاجات عامة
يمكن تقسيم الحيوانات على مستوى التغذية إلى حيوانات عاشبة وهي مسالمة بطبعها، وحيوانات لاحمة وهي حيوانات عدوانية، لأنها لا تستطيع إن تضمن بقاءها إلا على أساس الصيد وقتل الكائنات الأخرى. وما دام الإنسان مزدوج الطبيعة: عاشب ولاحم في الآن نفسه، فإن الجانب اللاحم فيه يجعله كائنا عنيفا بالطبيعة
إن العنف يمارس على مستويين
العنف المادي الملموس: والذي يتمظهر في العنف الجسدي، والعنف السياسي كالانتفاضات والثورات… والعنف الاجتماعي كالعنف ضد المرأة، والعنف الاقتصادي كالاستغلال…
العنف المعنوي الرمزي: والذي يتجلى في العنف اللغوي كالسب والشتم، والعنف التربوي مجسدا في بعض مظاهر العادات والتقاليد، وبعض المقررات الدراسية
إن العنف لا مشروعية له حتى وإن استعمل لصالح قضايا عادلة، أو للقضاء على العنف ذاته، لأن العنف لا يمكن أن يولّد إلا العنف. إن العنف لا يمكن أن يحارب إلا بنقيضه وهو اللاعنف